غلاف العدد

كتاب الاعمدة

خالد عويس
محمد الصادق الحاج
غسان علي عثمان
علي يس
الخميس, 24 أبريل 2014
المجموعة الكاملة - الطيب محمد الطيب طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب خاص - أوراق جديدة on الثلاثاء, 13 يوليو 2010 12:05   

الإِنْدَايَــــــــة

أن تتناول مؤسسةً ما بالبحث؛ كأن تبحث حول السلطة القضائية، أو التعليم العالي، أو حتى دخول العرب السودان، سيكون بحثك لا محالة بحثاً ناجحاً، تنهمر عليك الإشادات والتعليقات مستحسنةً دقّة المنهج، وتَفَرُّد الدراسة، وتمكُّن الباحث من التعاطي مع مادة بحثه، فضلاً عن سعة معلوماته. ولكن أن تبحث حول أمور لا يجوز التحدث عنها في عُرف أهل السودان، فذلك أمرٌ آخر لا يجرؤ أحد على الإشادة به. دفع الشغف المعرفي الطيب محمد الطيب إلى التعرُّض إلى تاريخ الخمور في السودان ببحثٍ استغرق منه ست سنوات وهو يجوب أنحاء السودان. وصف أ.د. عون الشريف قاسم هذا الكتاب بأنه:
«ولكنك بمجرد أن تتصفَّح الكتاب وتسبر غوره تجد ــ لدهشتك ــ أن المخبر غير المظهر. وسرعان ما يكتشف القارئ أن الإنداية التي يتحدث عنها الكتاب ما هي إلا مظهر خاص من مظاهر الحياة السودانية، وهي ككل المؤسسات الاجتماعية لها نُظمها وتقاليدها وقيمها التي يلتزم بها من يرتادونها ويذمون من يخرج عليها».
يقع الكتاب في أربعة أبواب «الإنداية.. أعراف وتقاليد، والمريسة والمسْكرات في شمال السودان، والأنادي والخمور في غرب السودان وأهل البادية، وأدب المريسة والأنادي». وختم الكتاب بفقرة جد طريفة يقول فيها:
«وزعموا أن الإنجليز صدَّقوا ببناء كنيسة للطائفة المسيحية بأم درمان، فسخط معظم أهل أم درمان؛ كيف تُبْنَى كنيسة في بقعة المهدي، وهاج الفقهاء وخطبوا في المساجد معارضين بناء كنسية في بقعة المهدي، وذهب فقيه حماسي إلى السوق وأماكن التجمُّعات يحرض الجمهور على قرار الحكومة، فلم يتحركوا، فذهب أخيراً إلى روَّاد الأنادي، فخرجوا معه كلهم إلى أن وصلوا مكان الكنيسة فرَدَّهم البوليس على أعقابهم. وكما ذكرتُ فإن روَّاد الأَنَادي لهم غيرة على الدين وسمعة الدين، والويل لمن يسبّ الدين في مجتمعاتهم».

فرح ود تكتوك حلَّال المشبوك

... «ثم إنَّ الكتابة عن المشايخ أصحاب المكانة الكبيرة فيها الكثير من المزالق، ولا سيّما إن كان الحديث موجَّهاً إلى جيل بَعُدَت أكثريَّته عن التراث، أو عنها ابتعد، مما يستدعي مخاطبتها بأسلوبٍ سهلٍ خالٍ من الإثارة والتهويل. وهذا ما حاولتُه وأعانني عليه سلوك الشيخ فرح الذي كان متميزا بالبساطة والجد».
بهذه العبارات يضع الطيب محمد الطيب بين يدي القارئ كتابه «فرح ود تكتوك حلّال المشبوك»؛ كتاب لا يقلّ رصانةً عما كُتب في هذا المجال عن سِيَر العارفين. جاء الكتاب شاملاً لكل الدراسات التي سبق أن تعرضت لحياة فرح ود تكتوك. تحدث في فصله الأول عن تاريخ السلطنة الزرقاء، وتاريخ البطاحين، مشيراً إلى جمعها بين ظاهرتين على طرفي نقيض؛ هما الظاهرة الدينية المتمثلة في كثرة الأولياء والصالحين، أمثال نعيم الأجواد، وطه الأبيض، وفرح ود تكتوك، وعبد الباقي « جبل الحديد»، والحاج يوسف «دهاشة» من جهة، والصبغة البدوية المتمثلة في حبهم وممارستهم لحياة الصعلكة «الهمبتة» من جهة أخرى. اشتمل الفصل الثاني على الوضع الاجتماعي والثقافي الذي عاش فيه الشيخ فرح. شمل الفصل الثالث حكمة وفراسة الشيخ ود تكتوك. حدثنا في الفصل الرابع عن علاقة الشيخ فرح بنظم الشعر، وأورد نماذج من أشعاره. يُعَدّ هذا الكتاب مادة أوّلية أساسية لا غنى عنها لأي باحث في تاريخ البطاحين بشكل عام وحياة الشيخ حلال المشبوك المعروف بالشيخ فرح ود تكتوك بصورة خاصة.

دُوْبَــــــــــاي

بأسلوب الباحث الألمعي يأخذك الطيب محمد الطيب في سياحة إلى كل أنحاء السودان، تكتشف من خلالها أن الشعر الشعبي مختلف الضروب والاتجاهات، تميزت كل منطقة بلونيتها الخاصة:
«ثم انصرفتُ أسأل عن أشكال النَّظْم الأخرى، فوجدت منها ألواناً شتى، أذكر منها المربَّع، وهو الدُّوْبَاي بعينه، والرِّبِق، والبُوْبَاي، والشَّاشَاي، والهُوْهَاي، والجَّابُوْدِي، والسُّوْمَار أو البَنِيْنَة. وفي شرق وشمال كردفان: الطَّمْبُور، والجَّرَّارِي، والتُّوْيَة، و الجَّالْسَة، والبادا ، والهسيس... إلخ، وكلها أشكال وأنماط غنائية معروفة».
قُسِّم الكتاب إلى ستة موضوعات «الدُّوْبَاي، الشَّاشَاي، البُوْبَاي، الرِّبِق، الجَّابُوْدِي، المربع» حوى كل منها علي دراسة تفصيلية للنشأة والمضمون وطريقة الإنشاد. يقع الكتاب في 193 صفحة من القطع المتوسط.

بيت البِكَـــا


أن تكتب عن الموتى، ممجِّداً ذكراهم، هو مسلك لا تخلو منه أمة أو شعب. ولكن أن تكتب عن العادات والتقاليد في بيوت البكا، فذلك ما تميز به كتاب الطيب محمد الطيب، الذي يحمل عنوان «بيت البكا». فقد مثَّل الكتاب اتجاهاً فريداً قلَّما تجد له نظيراً إلا في كتب الأقدمين أمثال الجاحظ. جاء الكتاب شاملاً لكل العادات والتقاليد في شمال السودان وجنوبه وغربه وشرقه، متعرِّضاً للعادات والتقاليد السودانية في المآتم، وكيفية إذاعة الأموات، والبكاء والمآتم في دار الفونج. والبكاء في جنوب السودان وعند العرب الرحَّل. قدَّم للكتاب أ.د. محمد عبد الله الريح.

 

 

المَسِيـــد


... «فلما بدأ البحث عن المسيد في السودان ألقى بنظرة مقارنة إلى بلدان إفريقية. لم يفعل ذلك تربُّصاً بتلك المقادير من التأثيرات الثقافية وكيميائها التي شغلت مَن سبقوه في دراسة النصوص العربية الإسلامية في السودان، بل لأن المؤسسة وُجِدَت هناك بالأصالة. لم ينشغل في تحليله بأيّ جانب من المؤسسة انتمى إلى إفريقيا أو للعرب، بل بمنزلة هذه المؤسسة ــ التي ترعرع هو في أكنافها ــ التعليمية في صحوة المسلمين المعاصرة التي رغبت في العودة إلى المدرسة القرآنية طلبا لتعاطي الحداثة بقوة وأصالة».
هكذا وصف د.عبد الله علي ابراهيم كتاب «المسيد». إن ما يميز هذا الكتاب هو عرضه لكل تاريخ الخلاوي في السودان، وإلقاءُه الضوء على الدَّور الذي لعبته طوال تاريخ السودان القديم والمعاصر. لا أظن أن بمقدور أيّ باحث حول دور التعليم الديني وأبعاده الاجتماعية أن يكون في غنى عن هذا الكتاب.

 

 

 

ذاكــرة قريــة

مع خروج المستعمر تبدَّلت أحوال الشعوب حيال موروثها من العادات والتقاليد، فاندثر منها ما اندثر، وتم التعامل مع بعضها الآخر بوصفه حالة ثابتة في الماضي ليس لها ما يربطها بالحاضر؛ حالة تجهل أعداد كبيرة معرفتها. وبمجيء العولمة التي جعلت العالم أصغر من قرية وجدت الشعوب نفسها عرضة لأكثر التحولات الاجتماعية شراسة في التاريخ، ومع تفكك الوحدات الصغيرة؛ مثل القرية والأسرة، وجدت السلطات نفسها بحاجة لأن تبتدع طرقاً أخرى تربط بين أعداد ضخمة من الناس لتضمن من خلالها دوران السلطة والمعرفة في أفلاكها. فتم اختلاق ذاكرة جمعية بشكل انتقائي من خلال التلاعب بقطع معينة من الماضي القومي، وذلك بطمس بعضها وإبراز بعضها الآخر بأسلوب توظيفي بكل ما في الكلمة من معنى، كما يقول إدوارد سعيد. وهكذا أصبح الاهتمام باستدعاء التراث عملاً يشغل حيزاً مقدراً في الأعمال الأدبية، لا تخلو منه رواية أو قصة قصيرة، كما كان للسيرة الذاتية القدْح المعلّى في هذا المجال. تأتي مساهمة الطيب محمد الطيب في كتابه « ذاكرة قرية» لتشمل ضرباً جديداً من السيرة، هدفه لفت الانتباه إلى مجتمع متجانس«قرية المقرن» طالته يد التغيير بالحضور الطاغي للمدينة الصناعية والعولمة بشكلها المروّع:
«غيرة هي التي دفعتني أن أكتب هذا الكتاب في تاريخ هذه القرية القديمة نسبياً، التي ولدتُ فيها وترعرعتُ ودرجتُ وتعلَّمت فيها بداية الحرف. وأنا أكتب لعدة دوافع؛ أوّلها تغيُّر الأجيال، فقد صرنا نحن الآباء نرى تحوُّلاً كبيراً في السلوك والعادات والوضع الاجتماعي، وكانت نفسي تنازعني منذ أعوام أن أُعِدَّ كتاباً تسترشد به الأجيال القادمة فضلاً عن الجيل الحالي، وحفزني التغيير السريع الذي يدفع المجتمع نحو المدينة «الغربية» التي وَسَمت كل شيء بميسمها، وستصحو الأجيال القادمة وهي خالية الذهن من تاريخها».
ولمّا كان كاتبنا محبَّاً «للفولكلور» باستعداده التكويني«الفطري» تشهد له بذلك المكتبة السودانية من خلال كتبه «بيت البكا»، و«فرح ودتكتوك حلّال المشبوك»، و«الإنداية»، و«دوباي»، و«المسيد» جاء عمله متفرِّداً من ناحية جمعه لمادته، فهو لم يستخدم مناهج البحث الميداني المعروفة فحسب، بل عمل على تحليلها بلغة حية، وعقل وقَّاد، جامعاً بين النظرة التاريخية والبُعد الاجتماعي للثقافة الشعبية. فعند حديثه عن تكوُّن الأغنية الشعبية في قرية المقرن يفرِّق جيداً بين الأدوار المعروفة للمغنِّية الشعبية وعلاقتها بالظواهر الاجتماعية والاقتصادية في القرية:
«وأشهر النساء الشاعرات والمغنيات الحاجة «أم ستير» وكان يخبرها بالحفل والجِّرْتِق أهل أولاد الطهارة والعرس، ويطلبون منها أن تأتي لتجرْتِق العريس، ولها هدية مشهورة، فيعطونها ثوباً بنغالياً أو سَكَرُوْتَة أو دَبَلان، وأول ما تبتدئ الغناء في الجِّرْتِق يضعون الثوب على رأسها، فتزيد حماساً، ومن بعد الجِّرْتِق يعطونها رِيَالين في أغلب الحالات. وكانت حبّوبتي «تجرتق» ناس «الداخلة» و«العكد» ومناطق أخرى مثل «البسلي» و«قوز الحلق» وغيرها، وفوق هذا كانت تغني «لسنة» العرايس والعرسان، وجرت العادة أن العرس يكون في شهر ستة وسبعة، وتختتم أيام العرس بما يصل الناس من فيض البحر والمطر ونجاح الزراعة، حيث تجرِّد المغنية ما يقع في تلك السنة وتعزوه إلى العرسان. قالت ذات مرة في عرس ثلاث بنات في الحوش: زهرة بت علي، زينبية بت مدني، وحليمة بت فاطنة، وقد أتت السنة بعد زواجهن غير مُرْضِية فقالت:
يا زهور دهب الجمار
زينبية الفوقا الهلال
يا حليمة تبيش الرمال
نوح سنتكن بقت علال».
ما يستحق الذكر أن كل ما يحتويه الكتاب مهم جدا لقارئ تاريخ تلك المنطقة، والباحث في تشكُّل تاريخها. تصدرت الكتاب مقدمة لامعة لأستاذ ألمعي هو الدكتور عبد الله علي ابراهيم.

آخر تحديث ( الأحد, 18 يوليو 2010 08:50 )
 

الاقسام الرئيسية

حــــــــوار الشهـــــر

No Featured Article Available

اصدارات سابقة

 

جميع الحقوق محفوظة لهيئة الخرطوم للطباعة والنشر (C) 2010